رحلة معافر
كل المقالات
تسويق١٥ يوليو ٢٠٢٦٧ دقايق للقراءة

كل ما نزلت أعمق، عرفت إني مش فاهم عميلي

رحلة فهم سلوك العميل

"عميلنا أولويتنا." "إحنا بنحسّن تجربة المستخدم باستمرار." "إحنا فاهمين عميلنا كويس."

دي أسهل ٣ جمل ممكن يتقالوا. بتتقال في كل اجتماع، في كل خطة، من كل صانع قرار تقريباً. وهي كمان أصعب ٣ حاجات تتحقق فعلاً على الأرض. وأنا لما بقابل حد بيقولهم بأريحية، من غير أي تردد، بحس إنه غالباً أبعد ما يكون عن إنه محققهم. لأن الجمل دي بتبان بسيطة وهي في الحقيقة شغل عمر، مش لحظة توصلها وتريّح عليها.

المشكلة إن العميل نفسه بيتغيّر. تحت رجليك، وإنت لسه ماسك تصوّر رسمته عنه من سنتين. خد محركات البحث مثال. من كام سنة كانت رحلة العميل مفهومة ومقيسة بالكامل: يبحث، يلاقي نتايج، يضغط، يدخل موقعك. كنت عارف هو جاي منين وبيعمل إيه. النهارده في ٢٠٢٦، أكتر من ٦٨٪ من عمليات البحث على جوجل بتنتهي من غير ولا ضغطة واحدة، حسب دراسة سبارك تورو على بيانات سيميلر ويب. العميل بياخد إجابته من ملخص الذكاء الاصطناعي، وبيمشي. يعني رحلة كاملة كنت بتقيسها وبتبني عليها قرارات، اتبخّرت. من غير ما يتغيّر أي حاجة في شغلك إنت. مجرد إن سلوك الناس اتغيّر. ودي قناة واحدة بس. تخيّلها بتحصل في كل نقطة تماس بينك وبين عميلك، طول الوقت، بهدوء، من غير ما حد يبعتلك إشعار.

خليني أحكيلك القصة.

في بدايات جرينولا، وزيّ أي خطة شغل محترمة، عملنا الصح النظري. حطّينا الفئات المستهدفة، ورسمنا البيرسونا للعميل المثالي، وكتبنا كل الكلام الحلو السهل اللي بيتكتب في أول أي عرض. وبعدين جت الأرقام. معدل التسرّب كان عالي. ناس كتير بتجرّب مرة وما بترجعش. والبيرسونا الجميلة اللي رسمناها فضلت على الورق، والعميل الحقيقي كان بيعمل حاجة تانية.

فبدأنا نسأل السؤال الطبيعي: ليه ده بيحصل؟ بس المرة دي مسألناش ورق، سألنا الناس نفسها. واخترنا طرفين على وش الطيف: اللي بيحبونا أوي وفضلوا معانا، واللي مشيوا بسرعة أوي. الطرفين دول بالذات هم الذهب. اللي بيحبك بيوريك القيمة الحقيقية اللي بتقدّمها، أحياناً قيمة إنت نفسك مكنتش مركّز عليها. واللي مشي بسرعة بيوريك بالظبط فين التجربة اتكسرت. أما اللي في النص، العاديين، فبيدّوك متوسط بيخبّي أكتر مما بيبيّن.

واكتشفنا حاجة تانية وإحنا بنسمع: إن الناس دي أصلاً مجاتش من نفس الباب. الطريق اللي دخل بيه العميل بيشكّل توقعاته من أول لحظة. واحد جالك من إعلان مبيفكّرش زي واحد جاله ترشيح من صاحبه. وحتى الأبواب دي نفسها كانت بتتغيّر تحتنا، زي ما اتغيّرت في محركات البحث. فبقى مش كفاية نفهم مين العميل، لازم نفهم هو وصل إزاي، لأن ده بيغيّر كل حاجة بعد كده.

اللي سمعناه خلّاني أرجع أراجع حاجة كنت فاكرها محسومة: القيمة اللي إحنا مقتنعين إننا بنوصّلها، مقابل القيمة اللي فعلاً وصلت للعميل وحسّها هو. والاتنين دول نادراً ما يكونوا نفس الحاجة. إحنا في دماغنا بنبيع وجبات صحية لذيذة وموفّرة للوقت. العميل ممكن يكون واصله حاجة تانية خالص: راحة نفسية، أو إحساس إنه بياخد باله من نفسه، أو حتى مجرد إنه بطّل ياخد قرار الأكل كل يوم. ولو إنت بتقيس القيمة اللي في دماغك، وهو عايش قيمة تانية، فإنت بتحسّن في الحاجة الغلط.

والقيمة مش بتتوصّل في إعلان، بتتوصّل في التجربة. فنزلنا جوّه التطبيق نفسه نتفرّج على رحلة العميل الحقيقية. قعدنا نراقب آلاف الجلسات، مش عشان نتفرّج على اللحظات الحلوة، لكن عشان نمسك لحظات الغضب والإحباط: فين بيتلخبط، فين بيقف، فين بيضغط مرتين وتلاتة من غير ما يحصل اللي متوقعه، فين بيقفل ويمشي. اللحظات دي مبتظهرش في أي استبيان، لأن العميل نفسه بينساها بعد ثواني، لكنها هي اللي بتقرر يرجع ولا لأ.

وبعد شوية اتعلمت إن أخطر إشارة مش في اللي العميل بيعمله، لكن في اللي بيبطّل يعمله. العميل نادراً ما بيسيبك بصوت عالي. غالباً بيسيبك بالسكوت: بيبطّل يفتح التطبيق، بيبطّل يختار وجباته، بيهدا شوية شوية قبل ما يمشي بشهور. اللي مبيعملش ضجّة بيكون أحياناً أهم من اللي بيشتكي.

المشاهدة كانت بتديني إحساس، بس الإحساس لوحده مش كفاية، فبدأت أطارد أرقام تأكّد ولا تكذّب الفرضية اللي في دماغي. أول رقم شغلني كان الوقت من لحظة ما العميل يسجّل لحد ما يعمل أول اشتراك. ليه ناس بتحوّل في نفس اليوم وناس بتاخد أسابيع؟ وإزاي أخلّي التحويل أسهل وأسرع وأرخص؟ كل ما فهمت المسافة دي أحسن، كل ما عرفت أتدخّل في الوقت الصح باللمسة الصح. وبعده جه سلوك التجديد، وده كان أعمق: مش بس مين بيجدّد، لكن مين بيجدّد بانتظام، وقد إيه بياخد من وقت لحد ما يجدّد، وامتى بالظبط بيعملها، والأهم ليه. الفرق بين عميل بيجرّب مرة وعميل بيفضل معاك سنين كان مخبّي في التفاصيل دي.

وكل السلوك اللي رصدناه ده وضّحلي إن مفيش "عميل" واحد. في مجموعات بتتصرّف بشكل مختلف تماماً. فبدأنا نقسّمهم، مش حسب السن أو النوع بس، لكن حسب اللي بيعملوه فعلاً: مين سريع التحويل، مين بيجدّد بانتظام، مين معرّض للتسرّب، مين بيتفاعل مع إيه. وطلع إن نفس المنتج، اشتراكات الوجبات، بيتباع لدوافع مختلفة تماماً. دافع الولد مش زي دافع البنت، وعميل في العشرينات بيشترك لسبب غير اللي بيخلّي واحد في الثلاثينات يشترك. فحطّينا لكل عميل صورة مبنية على أفعاله هو، مش على افتراضاتنا عنه.

وبس هنا، بعد كل ده، بقى ممكن نبني تواصل بيحوّل فعلاً. مش رسالة واحدة للكل، لكن الرسالة الصح للشريحة الصح في الوقت الصح من رحلتها. عميل قرّب من تجديده بنكلّمه بشكل، عميل جديد لسه بيقرّر بشكل تاني، عميل بدأ يسكت ويبعد بشكل ثالث. خطة التواصل مكانتش أول خطوة، كانت آخر خطوة، مبنية على كل اللي فهمناه قبلها. ولو بنيناها من غير الفهم ده، كنا هنبعت رسايل شاطرة لناس غلط.

وهنا ظهر التحدي اللي بعده: إزاي أربط كل ده ببعضه وأشوفه في مكان واحد. كل طبقة من اللي فاتت كانت بتعيش لوحدها في ركن، والقيمة الحقيقية مكانتش في أي واحدة منهم بمفردها، كانت في ربطهم كلهم في صورة واحدة أقدر أقرأها بنظرة. إزاي أحوّل ده لداش بورد يوريني القصة كاملة، ويقولّي أتحرّك فين وامتى، مع إني في الآخر عندي موارد محدودة، وقت وفلوس وناس، ولازم أختار أركّز على إيه الأول. ده لوحده تحدي تاني، محتاج بتفرد له سرد لحاله، ولسه هحكيه.

وأصعب حاجة اتعلمتها إن كل ده مبيخلصش. الشريحة اللي فهمتها السنة اللي فاتت بتتغيّر السنة اللي بعدها. دوافع الناس بتتبدّل، والأبواب اللي بيدخلوا منها بتتبدّل، والتصوّر اللي وصلتله بيبدأ يبوظ بهدوء من اليوم اللي تفتكر فيه إنك خلصت. فبقيت كل فترة أرجع أنزل الرحلة دي من أولها.

عشان كده في الآخر أنا غيّرت جملتي. من "أنا فاهم العميل كويس" لـ "أنا بحاول أجاري التغيّرات اللي بتحصل في سلوكه". لأن كل ما نزلت طبقة أعمق، اكتشفت إني عارف أقل مما كنت فاكر. الفهم الحقيقي مبيديكش ثقة، بيديك تواضع. وده مش إحساس مريح، لكنه الصح، لأنه اللي بيخلّيك تفضل بتسأل بدل ما تفتكر إنك وصلت.

وكل الشغل ده، المشاهدة والقياس والتقسيم والتواصل، كان كله ورا الكواليس عشان هدف واحد: نحسّن تجربة المستخدم، ونخلّيها أقرب لدوافعه الحقيقية. أما تحسين العمليات نفسها، المطبخ والتوصيل والجودة، فدي قصة تانية خالص، لسه هحكيها.

ولو إنت كمان شايف تسرّب في عملائك وحاسس إن التصوّر القديم بقى مش ماشي، ابعتلي. يشرّفني نفكر فيها سوا.

يتبع

عودة للمقالات